السيد عبد الأعلى السبزواري
145
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
النحل ، الآية : 4 ] ، وكذا قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [ سورة العلق ، الآية : 2 ] وجميع هذه الاستعمالات من المشترك المعنوي لوجود الجامع القريب فيها ، وهو التقدير المستقيم . والمراد بالخلق هنا التقدير أي : قدّر اللّه تعالى أن يكون ما في الأرض لأجل انتفاع الإنسان ، والتقدير مقدم عن الإيجاد وكل موجود مقدر ، وليس كل مقدر موجودا ، لجريان البداء في مرتبة التقدير والقضاء ، كما يأتي . وخلق ما في الأرض إما لأجل الانتفاع به انتفاعا ماديا صحيحا بكل وجه يتصور ، أو عقليا كالنظر والاعتبار ، كما قال علي ( عليه السّلام ) : « خلق لكم ما في الأرض جميعا لتعتبروا به ، وتتوصلوا به إلى رضوانه ، وتتوقوا به من عذاب نيرانه » . ثم إنه يستفاد من هذه الآية المباركة ، وغيرها من الآيات كثرة عناية اللّه تعالى بالإنسان ، وقد افتخر به على سائر خلقه كما في قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ سورة المؤمنون ، الآية : 14 ] ، بل جعله غاية خلق الموجودات ، وجعل الطبيعة مسخرة بين يديه ، وأفاض عليه من علومها وأسرارها لأن ينتفع بها ويستفيد من جميع ما يمكن الاستفادة منه . قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ . مادة ( س وي ) تدل على المساواة والمعادلة ، وتختلف الخصوصيات باختلاف الاستعمالات ، فإذا عديت ب ( على ) أفادت معنى الاستيلاء عن عدل وحكمة ، كما في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ سورة طه ، الآية : 5 ] أي استيلاء علم وحكمة وتدبير وإتقان ، فيكون ما سواه من صنع اللّه الذي أتقن كل شيء ، وإذا عديت ب ( إلى ) اقتضى القصد والشروع ، والأخذ المشتمل على أتم أنحاء التدبير ، قال علي ( عليه السّلام ) : « أخذ في خلقها وإتقانها » . وقد استعملت هذه المادة بهيئاتها المختلفة في القرآن الكريم قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [ سورة الأعلى ، الآية : 2 ] وقال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ سورة ص ، الآية : 72 ] والخلق أعم من التسوية .